ابن كثير
29
البداية والنهاية
الصنع العجيب الغريب قال الله تعالى إخبارا عن سليمان وقومه : ( وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين ) أي ومنعها عبادة الشمس التي كانت تسجد لها هي قومها من دون الله اتباعا لدين آبائهم وأسلافهم لا لدليل قادهم إلى ذلك ولا حداهم على ذلك ، وكان سليمان قد أمر ببناء صرح من زجاج ، وعمل في ممره ماء ، وجعل عليه سقفا من زجاج ، وجعل فيه من السمك وغيرها من دواب الماء ، وأمرت بدخول الصرح وسليمان جالس على سريره فيه ( فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت ربي أني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين ) [ النمل : 44 ] وقد قيل إن الجن أرادوا أن يبشعوا منظرها عند سليمان وأن تبدي عن ساقيها ليرى ما عليها من الشعر فينفره ذلك منها ، وخشوا أن يتزوجها لان أمها من الجان فتتسلط عليهم معه . وذكر بعضهم أن حافرها كان كحافر الدابة وهذا ضعيف . وفي الأول أيضا نظر والله أعلم . إلا أن سليمان قيل إنه لما أراد إزالته حين عزم على تزوجها سأل الانس عن زواله فذكروا له الموسى فامتنعت من ذلك . فسأل الجان فصنعوا له النورة ، ووضعوا لها الحمام ، فكان أول من دخل الحمام فلما وجد مسه قال أوه من عذاب أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه . رواه الطبراني مرفوعا وفيه نظر . وقد ذكر الثعلبي وغيره أن سليمان لما تزوجها أقرها على مملكة اليمن ( 1 ) وردها إليه ، وكان يزورها في كل شهر مرة فيقيم عندها ثلاثة أيام ثم يعود على البساط وأمر الجان فبنوا له ثلاثة قصور باليمن غمدان وسالحين وبيتون فالله أعلم . وقد روى ابن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه أن سليمان لم يتزوجها بل زوجها بملك همدان ( 2 ) وأقرها على ملك اليمن وسخر زوبعة ملك جن اليمن فبنى لها القصور الثلاثة التي ذكرناها باليمن . والأول أشهر وأظهر . والله أعلم . وقال تعالى في سورة ص : ( ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق . ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب . قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي أنك أنت الوهاب . فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب ، والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد . هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب ) [ ص : 30 - 39 ] يذكر تعالى أنه وهب
--> ( 1 ) هذا قول ابن الأثير في الكامل . وفي أحكام القرآن عن الضحاك : أنه تزوجها وأسكنها الشام . ( 2 ) وفي رواية أخرى في الكامل : أنه زوجها ذا تبع ملك همدان ثم ردها إلى اليمن . ونقل الخبر الطبري في تاريخه 1 / 257 . وفيه أمر زوبعة أمير جن اليمن فصنع لذي تبع الصنائع باليمن . . سلحين وصرواح ومرواح . وبينون وهند وهنيدة وتلثوم ( وهي حصون ) .